الجمعة، 18 ديسمبر 2015

تعدد الانظمة العقارية و علاقتها بالتعمير

إن الجانب العقاري له أهميته و دوره المتميز في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للمجال الحضري ،   و من ثمة فإن المعطيات العقارية و طبيعة تشكلاتها ذات تأثير مباشر على عمليات إعداد وثائق التعمير و مختلف المنجزات المرتبطة بالتنمية الحضرية و التهيئة المجالية بالوسط الحضري.
فالأراضي العارية هي المجال الطبيعي لأي مشروع وهي نقطة البداية التي ينطلق منها المصمم و الدارس و المخطط ... ، فبواسطة مساحات الأراضي يمكن خلق نوع من التوازن الجهوي و تقليص الفروق بين البادية و المدينة ، إلا ان ذلك لا يؤدي إلى نتائج إيجابية في ظل أنظمة الملكية العقارية السائدة و الموروثة عن فترة الحماية و التي لم تزدها فترة الاستقلال إلا تكريسا و تطويرا في اتجاه سلبي[1].
إن تعددية الأنظمة العقارية تعتبر خاصية فريدة للأرض القابلة للتعمير بالمغرب ، فإلى جانب التقسيم الشامل للأراضي في المغرب بين أراضي محفظة خاضعة لنظام قانوني حديث ، وأراضي غير محفظة لازالت تخضع لأحكام الشريعة الاسلامية و القواعد العرفية ، و هناك أيضا اختلاف في الأنظمة من حيث التملك ، وتؤثر هذه الأنظمة بشكل كبير على وضعية الأراضي و كيفية استغلالها و اذا كانت الأراضي المحفظة تساهم إلى حد ما بسبب وضوح نظامها في تسهيل عمليات التعمير، فإن الأراضي غير المحفظة تعتبر مرتعا للمضاربات و التعمير العشوائي البعيد عن أية مراقبة إدارية ، ذلك أن هذا النوع من الأراضي يخضع في الواقع لقاعدة المعاملات العرفية مما يصعب معه ضبط هاته المعاملات العقارية العرفية و التحكم في مثل هاته الأراضي ، الشيء الذي يجعلها حجر عثرة في وجه تنظيم المجال و التحكم في سطح الأرض[2].
يعتبر العقار القاعدة الأساسية لانطلاق المشروعات المنتجة ، كما يعتبر عنصرا هاما في أية تنمية اقتصادية و اجتماعية ، وقد خضع العقار منذ زمن بعيد إلى مفاهيم و تكييفات عديدة نظرا للغايات المنشودة منه و تقلبات الظروف السياسية و انعكاساتها عليه ، مما خلق منه أنظمة متعددة بهدف اخضاعه للحاجيات الأساسية في الإنتاج و الإسكان.
وإن التحديات الأتية والمستقبلية في مجالات التنمية المختلفة تستوجب تدبير متطور للعقار و جعله رهن إشارة المستثمر خدمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، و ذلك بتحديث الترسانة القانونية الأنظمة للمعاملات العقارية و توحيد المفاهيم و مواكبة الأشكال الجديدة للتعاقد[3].
هذا و يكتسي قطاع التعمير أهمية قصوى في مسلسل التنمية المحلية بالنظر الى الدور الذي يلعبه في تأهيل المجالات الترابية و الرفع من قدراتها ، فبواسطة أدوات التعمير يمكن للإدارة المحلية أن تضع تخطيطا ملائما و تدبيرا سليما لقضايا التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و العمرانية ، غير أن تحقيق هذا المبتغى غالبا ما تعترضه الكثير من الإكراهات التي تحد من فعالية سياسة التعمير و تعيق نهوضها بدورها التنموي في الاستجابة للحاجيات الملحة و رفع التحديات المتزايدة[4].
والواقع أن السوق العقارية لا تعرف ندرة مطلقة للأراضي الحضرية ، ولكن التدخلات العفوية والاستعمالات العشوائية خاصة بالمناطق المحاذية للمدن تؤدي الى تضارب التدخلات و الى خلق وضعيات و مفارقات تظهر تجلياتها في الاحياء العشوائية و السكن الغير اللائق ، و قد أصبحت هناك سياسة رسمية للتعمير يقابلها تعمير إرادي يفرض نفسه على المخططين و يتسم بالمضاربة و عدم احترام قانون التعمير، و هي وضعية تؤدي إلى تفكك النسيج الحضري والى صعوبة التحكم في استعمال الأراضي المتاحة بالمناطق الحضرية .
إن أهم ما يميز النظام العقاري بالمغرب هو تعدد الأنظمة القانونية الخاصة بتملك الأراضي ، و تلعب هذه التنظيمات دورا حاسما في تحديد وضعية الأراضي الصالحة للتعمير كما تؤثر بشكل كبير على المعاملات العقارية ، حيث تتطلب مساطر معقدة و مختلفة و آجالا طويلة لاستكمال اجراءات تفويتها للغير، و لعل هذه الأنظمة المختلفة التي أفرزها تطور النظام العقاري في المغرب لازالت تشكل عائقا في وجه مختلف المتدخلين في قطاع التعمير و السكنى ، و تؤدي الى عدم وضوح وشفافية السوق العقارية[5].
و تظهر أهمية الموضوع على مجموعة من النواحي ، أولها أن تعدد الأنظمة العقارية يعود بشكل سلبي على الوضعية الاقتصادية ، كما أنه يلعب دور مهم في التأثير على السياسة التعميرية بشكل واضح ، مما يجعل هنا ضرورة الوقوف لدراسة هذا الموضوع و إعطائه جزء مهم من الإهتمام للإلمام بنقط الضعف و القوة فيه .



[1]  الحاج الشكرة الوجيز في قانون التعمير المغربي الطبعة السادسة 2012 الصفحة 20
[2]  الهادي مقداد السياسة العقارية في ميدان التعمير و السكنى الطبعة الاولى 200 الصفحة 74
[3]  العقار و الاستثمار اشغال اليوم الدراسي المنظم من طرف عمالة اقليم الحوز و المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للحوز بتعاون مع مركز الدراسات القانونية و المدنية و العقارية بكاية الخقوق بمراكش  19 يونيو 2003 الصفحة 54
[4]  احمد المالكي و سعيد بولماني ادارة التعمير و اكراهات الواقع المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية شتنبر دجنبر عدد 77-76  2007 الصفحة 51
[5]  الهادي مقداد مرجع سابق الصفحة 148 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق