للسياسات
العامة بعدد من المعطيات، كالتحديد الدقيق للقضايا التي يراد التدخل فيها أو
تدبيرها، والموارد المتوفرة بشكل طاقة بشرية ومادية وسيناريوهات الحلول التي يمكن
تصورها، وفرص النجاح التي توفرها الظروف أثناء لحظة التدخل، وكذلك بمدى القبول أو
الدعم الاجتماعي لها.
اما تحديد مفهوم الجهوية يقتضي التمييز بين الجهوية التي لها مدلول مجموعات
متماسكة ذات أهداف سياسية دفاعية، والجهوية بمفهومها المعاصر الذي يعني مجموعة
متناسقة تهدف إلى تكامل إقتصادي إداري تنموي من أجل النهوض بمؤهلاتها و تسخير إمكانياتها
الطبيعية و البشرية و المادية في إطار متكامل [1]. و هي كما جاء في ق
47.96 في المادة الاولى الجهات المحدثة بمقتظى الفصل 100 من الدستور 1996، الجماعة المحلية تتمتع بالشخصية المعنوية و
الاستقلال المالي تناط بها مهمة المساهمة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و
الثقافية للجماعة الجهوية بتعاون ان اقتضى الحال مع الدولة و الجماعات المحلية
المذكورة.
اما الجهات حسب ما جاء في دستور 2011
الباب التاسع منه ، هي احد ابرز الجماعات الترابية، و هي شخصية إعتبارية خاضعة
للقانون العام و تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية كما ان الجهات و الجماعات تساهم في
تفعيل السياسة العامة للدولة، و في اعداد السياسات الترابية للدولة من خلال
ممثليها في مجلس المستشارين، و يرتكزالتنظيم الجهوي و الترابي على مبادئ التدبير
الحر و على التعاون و التضامن و يؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم و
الرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة و المستدامة.
ان الجهوية
السياسية كنوع من اشكال الجهوية تتمتع بسلطات سياسية مهمة و تحتل مكانة متميزة
داخل التنظيم الاداري و السياسي، فهي
تتقاسم مع السلطات المركزية الوظائف السياسية في الميدان التشريعي و التنظيمي و
قواعدها محدودة دستوريا، و الجهوية السياسية هي اعلى مستويات اللامركزية الترابية
. فالجهة تمثل إطاراً جغرافياً يضم
أبعاداً اقتصادية واجتماعية وثقافية، تقوم على تعزيز أسس الديمقراطية المحلية،
والتضامن داخلياً وخارجياً بين الجهات والتنسيق بين مختلف الفاعلين الذين يكوّنون
الجهة بغية تحقيق تنمية محلية مندمجة ومتنوعة. وهكذا حدّد ظهير 2 أبريل 1997 تنظيم
الجهة على أساس تعزيز الممارسات الديمقراطية، من خلال تمكين مختلف الفاعلين
الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين وباقي مكوّنات المجتمع المدني، من استثمار
الجهة باعتبارها فضاء جديداً للتفكير والحوار والعمل.
لقد صاحبت قوانينَ اللامركزية إنْ على مستوى الجماعة، أو
العمالة أو الإقليم أو الجهة، جملةٌ من إجراءات المواكبة تتوخى تمكين الهيئات
المنتخَبة من أداء مهامها في أمثل الظروف التي تضمن الفعالية ونجاعة الأداء.
و لقد تم امتحان مدى نضج الجهوية عبر مراحل متعددة، و
هكذا فقد خضعت الجهوية لتجربة ضهير 1971
المتعلق بإحداث المناطق الإقتصادية، ثم الارتقاء بالجهة إلى مستوى الجماعة المحلية
بمقتضى دستور 1992، و بعده صادق الشعب على مراجعة الدستور في إستفتاء 13 سبتمبر
1996، و بذلك أصبحت للجهات إطارا قانونيا جديدا وضع أسسه قانون 47.96[2].
وفي سنة 2010
جاء الخطاب الملكي الذي القاه الملك محمد السادس[3] و الذي ناشد فيه النهوض بالتنمية
المندمجة عبر تطوير و تحديث هياكل الدولة
من خلال وضع لجنة استشارية لوضع تصور عام لنموذج وطني لجهوية متقدمة تشمل
كل جهات المملكة و الذي يرمي إلى إقامة أحواض من الحياة الإجتماعية و من العمل الديمقراطي
المفضي إلى تدبير فعال لسياسات التنمية المندمجة ، ثم جاء بعده دستور 2011، و الذي
جاء بمضامين جديدة ساهمت في تجديد منظور السياسة العمومية كآلية لتحقيق التنمية
المستدامة و المندمجة عبر مبادئ التشارك و التعاون و التضامن، حيث اصبحث الجهوية
تسعى الى نهج سياسة القرب و تظافر الجهود بين القطاعات و اخذ البعد الترابي بعين
الاعتبار في السياسات العمومية في تداخلات الدولة و الجماعات الترابية بغية الرفع
من نجاعة الفعل العمومي .
إن
التحولات التي عرفتها مفهوم الجهوية، خلال مراحل تطورها ، ساهمت بشكل كبير في
إعادة صياغة دورها الذي أصبح يقوم على جوهر ديمقراطي تشاركي يسعى إلى إشراك
الفاعلين المؤهلين لتحقيق السياسات العمومية و فق سياسة مكرسة للتنمية المندمجة في
سياق الحكامة الجيدة. و قد اولى الدسنور المغربي 2011 عناية خاصة لتخليق الحياة
العامة و تكريس مبادئ الحكامة الجيدة،
فالاصلاح الذي جاء به الدسنور اعتبر لبنة اولى نحو الجهوية المتقدمة
للمساهمة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية عبر تعزيز روح المبادرة لدى
المواطنين و المواطنات و الحد من الاكراهات و العراقيل البيروقراطية و نهج سياسة
القرب في السياسات العمومية و في تدخلات الدولة و الجماعات الترابية،[4] هذا كله جاء في اطار الجهوية المتقدمة لتنمية
ما كانت علية الجهوية و الفشل الذي كانت عليه السياسات العمومية قبل دستور 2011 .
و في
إطار الجهوية المتقدمة كإطار عام و توجه حاسم للدولة المغربية في تنظيمها الترابي
الذي يؤهل لضبط و رصد و تقييم السياسات العمومية و علاقة السلطة بالإدارة و
المواطن وفق المفهوم الجديد للسلطة ، و من خلال تخطي الدور الاعتيادي
للإدارة و المؤسسات العمومية نحو نهج نمط رشيد في التدبير العمومي خصوصا، فان جوهر
البعد الترابي للمملكة يقوم على جوهر ديمقراطي تشاركي يسعى إلى إشراك الفاعلين
المؤهلين في تحقيق السياسات العمومية.
ثم إن
التنظيم الترابي للمملكة يقوم على الجهوية المتقدمة في إطار تقسيم الجماعات
الترابي، و حيث ان الجماعات الترابية تتوخى تنزيل السياسات العمومية في مجال ترابها
، فإنها تستفيد
أساسا
من ذلك التقسيم لتجعل الجهات الية من اليات تفعيل السياسة العمومية من اجل تحقيق
التنمية المستدامة و المندمجة.
[1] عبد الصمد الركيك ، افاق الجهوية المتقدمة بالمغرب بين اللامركزية الجهوية
و اللاتمركز الاداري ، رسالة لنيل دبلوم الماستر
، جامعة محمد الخامس - السويسي – السنة الجامعية 2012-2013 ، الصفحة 7.
[2] ظهير شريف
رقم 84-97-1 الصادر في 23 من ذي القعدة 1417 ( 2 اريل 1997) بتنفيذ القانون رقم
96-47 المتعلق بتنظيم الجهات ، الجريدة الرسمية عدد 4470 بتاريخ 24 ذي القعدة 1417
(3 ابريل 1997) ، الصفحة 557.
[3] نص الخطاب
الملكي السامي الذي القاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة تنصيب الجنة
الاستشارية للجهوية بتاريخ 03 يناير 2010 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق