سنحاول الحديث عن تفعيل السياسات العمومية من خلال آليات التاسيس المفعلة للسياسة
العمومية جهويا ، و التي تتمتل في آلية الاستثمار العمومي (فقرة اولى) ، ثم المقاربة
القطاعية ( فقرة ثانية).
الفقرة الأولى :
الاستثمار العمومي
يعتبر الاستثمار
العمومي الجهوي اهم الاستراتيجيات التي تبنتها الدولة في تحقيق التنمية ، حيث سجلت
استثمارات الميزانية العامة للدولة منذ 2006 توسعا كبيرا بلغ 2.3 بالمئة [1].
و في هذا الصدد
فان الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار الموجهة للوزير الاول بتاريخ
9 يناير 2002 قد اكدت على اهمية الاختصاصات المنوطة به و
دوره كممثل فعال للدولة على مستوى الجهة ، و ذلك للدفع بوثيرة الاستثمارات نحو
الفعالية و السرعة و التنسيق بين تدخلات مختلف القطاعات بشكل يضمن توحيد اتخاذ
القرارات و لقيام والي الجهة بهذه المهام ، حثث الرسالة الملكية على احداث مراكز
جهوية للاسستثمارات تحت رئاسته تكون بمثابة الاداة الاساسية لتحفيز الاسسثتمارات و
تحقيق التكامل و الانسجام و التناسق بشانها [2].
و بهذا ينبغي على
الاستثمار الجهوي ايجاد استثمارات رائدة ، كما ان تحسين البنيات التحتية (الاتصالات
التزويد بالماء..) لا يمكنه الا المساهمة لتحقيق تنمية الجهات عن طريق تهيئ اساس
لجدب الاستثمارات بين الجهات ، الى جانب ذلك تعتبر الاستثمارات ضرورية لتامين
الحاجيات المحلية بهدف تحسين مستوى العيش و انشاء مجالات اقتصادية خارجية
للمقاولات ، و تلعب المنشآت العامة دورا مهما في تحقيق التنمية الجهوية عن طريق
انجاز جزء مهم من الاستثمارات العمومية و المساهمة في بلوغ اهداف السياسات
العمومية و الاستراتيجيات القطاعية ، كما ان وزن المنشآت العامة التي تنشط على
المستوى المحلي و الاقليمي يضل مهما بالمقارنة مع باقي القطاع المنشآت العامة خاصة
من حيث رقم المعاملات و الاستثمارات ، و هكذا فقد انشات المنشآت العامة التي تعمل
على المستوى المحلي او الجهوي حوالي 45.3 بالمئة ، من مجموع استثمارات قطاع المنشآت
العامة في سنة 2011 ، مقابل 34.8 بالمئة سنة 2010 [3].
و موازاة مع ذلك
لا تمثل الاستثمارات اللاممركزة سوى جزء من الاستثمارات المخصصة للجهات ، الا ان
التبويب الجهوي لنفقات الدولة لم يصدر الا مع قانون المالية لسنة 2009 ، حيث سيكون
من السابق لاوانه صياغة استنتاجات بناء على ملاخضة تخص سنة واحدة فقط .
و علاوة على ذلك
فان التباينات بين الجهات فيما يتعلق بالاستتمارات لا تجد تفسيرها انطلاقا من
ارقام مطلقة ، بل على ضوء احتياجات هذه الجهات و بالنضر الى كون هذه الاحتياجات
تتزايد بصورة تتناسب مع النمو العمراني و الضغط الديمغرافي للجهات فسيكون من
الانسب استخدام مؤشر لنفقات الاستتمار حسب الفرد [4].
و وفقا للتوجيهات
الملكية السامية و تماشيا مع البرنامج الحكومي ، تهدف التدابير المتخدة من طرف
المنشات العامة اساسا الى المساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني ، و تحسين قدرته
التنافسية و تطوير البنيات التحتية و خدمات المرفق العام و المشاركة في التهيئة
الترابية .
و للاشارة فانه
تساهم هذه المنشاة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ، خصوصا عبر تنفيذ برامج
استثمارية مهيكلة في مختلف مجالات الاقتصاد تندرج في اطار رؤى قطاعية طموحة.
و يواكب تدخل
المنشاءات العامة لانجاز عمليات اعادة هيكلة مؤساساتية و استراتيجية تفرضها رغبة
السلطات العمومية في تطبيق الاصلاحات المتعلقة بقطاعات استراتيجية ، مثل النقل و
البريد و الاتصالات و المجال
السمعي البصري و السكن و المجال الاجتماعي و الفلاحة و الطاقة و الماء ، و في العديد من الاحيان يتم ادراج تدابير
اعادة الهيكلة في اطار عقود برامج لتقوية وضعية المنشات العامة المعنية بغية
اضطلاعها بدور ريادي في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية [5].
وفي هذا الشان فقد
حققت استثمارات المؤسسات و المنشات العامة في هذه الميادين دينامية متواصلة خلال السنوات الفارطة ، مما يدل على الدور
المهم الذي يلعبه الاستثمار العمومي في التنمية الاقتصادية.
فيما يخص البنيات التحتية فقد انجزت استثمارات
مهمة و خاصة في مشاريع السكك الحديدية و الطرق السيارة و الموانئ و المطارات ،
التي مكنت على سبيل المثال من تسريع وثيرة انجاز مقاطع الطرق السيارة المبرمجة ، و
التي تهدف الى بلوغ شبكة اجمالية طولها 1.800 كلم في افق 2015 مع العلم بان الشبكة
المستغلة من طرف الشركة الوطنية للطرق السيارة الى متم يونيو 2012 تناهز 1.420 كلم
، و كذا الى انجاز الخط الفائق السرعة
الرابط بين الدار البيضاء و طنجة ، و الاعداد لانجاز التصميم المديري لمختلف
الخطوط بما في ذلك تثليث الخط الرابط بين
القنيطرة و الدار البيضاء .
اما على المستوى
الطاقي فيمثل تنويع مصادر انتاج الطاقة دعامة هامة لتدخل المؤسسات و المنشات
العامة ، كذلك فيما يخص قطاع المعادن كما
تمت مواصلة تنمية العالم القروي سريعة عن طريق مشاريع تاهيل البينيات التحتية
الاساسية ، و تحسين اوضاع المواطنين ، و من جهة اخرى فقد تم تخصيص استثمارات مهمة
للقطاعات الاجتماعية و ذلك لتاهيل المؤسسات التعليمية ، و قد تم نهج نفس التوجه
فيما يخص تنويع و تحسين العرض في قطاع السكن مع السياسة الجديدة للمدينة [6].
الفقرة الثانية :
المقاربة القطاعية
تستند السياسات
العمومية المتبعة في مجال التنمية الجهوية في جزء كبير منها الى مقاربة قطاعية ،
تتضمن برمجة التجهيزات و الخدمات على شكل اختيار للمواقع ( المخطط الازرق مخطط
الاقلاع الصناعي .. ) ، او مخططات لتعميم الخدمات العمومية (الخريطة الصحية المخطط
الهيكلي للطرق السيارة ).
حيث ان الهدف من
السياسات القطاعية لا يتمثل في النهوض بقطاع معين بحد ذاته بل تمتد الى مجالات
تدخل الدولة و هي بالتالي تشمل :
السياسات الصناعية
او الفلاحية او السياحية ، الى جانب السياسات الرامية الى تشجيع التشغيل و التضامن الوطني ، فرغم كونها لا
تستند في بلورتها الى منطق ترابي الا انه سيتعدر تنفيذها دون الارتكاز الى منطقة
ترابية يكبر او يصغر حجمها حسب طبيعة السياسات المعنية ، و يمر تاتير السياسات
القطاعية على التنمية الجهوية عبر الامتداد الترابي للخدمات العمومية و البنيات
التحتية الاجتماعية .
و الى جانب
ذلك تلعب السياسات القطاعية دورا مهما في تقليص التفاوتات الجهوية في ما
يتعلق بتوزيع اماكن انتاج الثروات و تلك التي تساهم في التوازن للمجال الجهوي من
خلال مقاربات قطاعية تهم القطاعات الاجتماعية التي تعتبر اهم القطاعات التي تتدخل
في تطور التنمية الوطنية و المحلية خاصة بنهج سياسات قطاعية تتحكم في المنطق
التنموي للمجال الجهوي [7].
و بناء على كل ما
سبق فقد تبنت وكالات التنمية لاقاليم الشمال و الجنوب و الشرق منذ تاسيسها
استراتيجية للتدخل ، عبر وضع مشاريع تهدف الى تحسين جادبية الجهات المعنية في سياق
اقتصادي معولم و تنافسي ، و في هذا الاطار
تقوم الوكالات بدراسة و اقتراح برامج اقتصادية و اجتماعية مندمجة ، و كذا مشاريع
خاصة على كل من السلطات المحلية و الفاعلين العمومين و الخواص ، كما تساهم في البحث
عن وسائل التمويل اللازمة وتقديم الدعم للجماعات المحلية المعنية في مجالي التطهير
السائل و تحسين الخدمات ، و قد بلغ اجمالي المبلغ الذي تم استثماره من قبل
الوكالات الثلاث ما قدره 3.335 مليون درهم سنة 2009 ، بينما يرتقب استثمار ما
يقارب 3.832 مليون درهم و 3.131 مليون درهم في سنتي 2010 و 2011 على التوالي [8].
و في هذا الشان
ينبغي لهذه التطورات ان تحمل السلطات العمومية و مجموع الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين ، على التقدير الجيد و
الصائب للرهانات الداخلية و لمنافسة اقتصادية تشد و تحتدم يوما بعد يوم لوضع استراتيجية ارادية من اجل اداء امثل
لاقتصادنا ، و بالموازاة مع ذلك فان جحم الانتظارات يدعو السلطات العمومية الى
تسريع عملية توفير مناخ اجتماعي ملائم ، و العمل على ان تتيح السياسات العمومية
تعزيز ثقة المواطنين و مشاركتهم .
و تجدر الاشارة
الى انه بفضل الاصلاحات التي تم اطلاقها منذ اكثر من عقد من الزمن حققت بلادنا
خطوات مهمة في عدد من المجالات فضلا عن مؤهلاتها الواعدة ، بحيث بدات السياسات
القطاعية و برامج الحماية
الاجتماعية تؤتي النتائج المرجوة منها ، غير ان هناك مناطق هشاشة لا تزال قائمة
مما يدعو الى مزيد من اليقضة و الى تدابير من شانها الرفع من تنافسية الاقتصاد و
توسيع نطاق الية الحماية الاجتماعية و استغلال الفرص المتاحة بالنسبة الى التنمية
المستدامة ، غيران نجاح هذا التوجه الجديد يقتضي تطوير الحوار الاجتماعي و المدني
و توطينا جهويا للسياسات العمومية [9].
فهكذا اذن نسجل ان
السياسات القطاعية على مستوى الشبكة
الطرقية و من خلال معطيات وزارة التجهيز و النقل ، و صل مجموع الطرق المعبدة سنة
2005 الى 30.400 كلم من ضمن 57.000 كلم من الطرق بمختلف انواعها ، اي ان 53 بالمئة
من مجموع الطرق الوطنية تم تعبيدها ، و توجد اغلب الطرق غير المعبدة في الوسط
القروي الذي يواجه ليس صعوبات فقط تتعلق بالمحيط
بل يعاني ايضا من اثار برامج التنمية الطرقية التي ميزت العديد من السياسات العمومية التي تم
تطبيقها خلال السنين الماضية في هذا المجال . و علاوة على ذلك لاتزال الفوارق
قائمة بين الجهات سواء على مستوى جودة الشبكات الطرقية غير المعبدة او حجمها ، و
تساهم العديد من العوامل في تكريس هدا الوضع خاصة منها صعوبة المحيط و شساعة
العالم القروي و ان بدرجات متفاوتة [10].
هذا و تتطرق
المخططات الجهوية الى كيفية الرفع من انتاج مختلف القطاعات الفرعية المحددة و
تحسين جودة و ضروف تسويق الانتاج الى جانب الاهتمامات الاجتماعية الهادفة الى
محاربة الفقر و الهجرة القروية الى المدن. و من اجل تحقيق اندماج جهوي اكبر للقطاع
سيتم انتاج ستة اقطاب فلاحية ( في اطار برنامج اقلاع) ، و يتوخى مخطط المغرب
الاخضر ايضا تطوير حجم و نوعية العرض من المواد الفلاحية الاساسية المخصصة
للصناعات التحويلية [11].
و من ناحية اخرى
يمر تاثير السياسات القطاعية على التنمية الجهوية عبر الامتداد الترابي للخدمات
العمومية و البنيات التحتية الاجتماعية و الاقتصادية ، و ياتي هذا الامتداد نتيجة للتحكيم
ما بين مبدائ الانصاف و الفعالية ، و يفترض المبدا الاول المساواة في الاستفادة من
الخدمات العمومية و يقتضي القيام بالتدخل لتحديد موقعها من اجل تقليص المسافة التي
تفصلها عن المستفيدين ، الا ان تطبيق هذا الامر على ارض الواقع يصطدم بمبدا
الفعالية ، حيث ان التشتت المجالي للبنيات التحتية ليس دائما بالخيار الافضل خاصة
بالنسبة للبنيات التحتية التي يتم انتاجها بتوفير مبارغ كبيرة ، و سيختلف هذا
التحكيم باختلاف السياسة القطاعية المعنية ، حيث ان مبدا الانصاف في السياسات
الاجتماعية يعد العامل الحاسم ، مقارنة بالفاعلية اما في السياسات الاقتصادية فان
نتيجة التحكيم غالبا ما تكون لفائدة الفعالية [12].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق