الأحد، 20 ديسمبر 2015

هامشة الدور البشري و المالي في التجربة الجهوية


تعتبر الموارد البشرية الى جانب الموارد المالية من العناصر الاستراتيجية في عمل الهيئات ، فالمشكل المادي كما هو الحال بالنسبة للتاطير البشري من ابرز الحدود و المعيقات التنموية الجهوية .
ثم إن ضعف الموارد المالية ليس عاملا وحيدا في عرقلة التنمية الجهوية ، بل ان ضعف العنصر البشري و التاطير الاداري للموارد البشرية للجهة ، يعد من بين اهم الاكراهات التي تحد من التنمية الجهوية .

الفقرة الأولى : ضعف التأطير البشري
يمكن تسجيل اشكال من العجز تتجلى في تفضيل هيمنة النضرة القطاعية الضيقة ،و الكفاءة غير المتساوية ،و عدم استقرار موضفي الوزارات و المسؤولين الادارين , عدم الاعتبار الممنهج للاستحقاق والتواجد المفارق لوزارات متدخمة ، الى جانب اخرى محدودة الصلاحية و غياب البين وزارية الفواصل البيروقراطية ، وتقلب الهيكلات الادارية و تنازع اختصاصاتها.
 و هذا فضلا عن انتشار ضواهر من قبيل التعالي المفرط لاشخاص ذاتيين على الهياكل و المجموعات و الانفعالية في التسيير، و ضعف الاستشارة و الحوار و اعمال مبدا التفاوض لفض التوترات            و النزاعات [1] .
إن ما يمكن استنتاجه  من خلال القراءة التحليلية التي قمنا بها  للفصول المتضمنة في القانون 96-47      و المتعلقة بالوسائل البشرية او بالمرسوم رقم 2.00.1043 الصادر في 21 جمادى الاولى 1421 ( 22 اغسطس ) بتحديد شروط التعيين او اجرة الكاتب العام و المكلفين بالدراسات و المكلفين بمهمة بالمجلس،   فهذه النصوص غير كافية لتضمن فعالية العنصر البشري على هذا المستوى ، خصوصا اذا اعتبرنا ان تفعيل التنمية و استيعاب ادوارها يتطلب توضيف العنصر البشري المؤهل للقيام بالمهمة الموكولة اليه  في اطار من الحماس و الفعالية و المردودية تماشيا مع رهانات الممارسة الجماعية [2].
        فاذا كان القانون رقم 47.96 المنضم للجهات اسس لهيئة خاصة من الموضفين الجهويين وضعت تحت السلطة التسلسلية لرئيس المجلس الجهوي و الذي اقر له القانون صلاحية التسيير الفعلي للمصالح الجهوية و كذا التعيين للمناصب و الوضائف ، فان ذلك لم يمكن الجهة من الموارد البشرية اللازمة       و القادرة على تحمل القيام بالاعمال التي يتطلبها العمل الجهوي ، بل هناك خصاص فعلي للعنصر البشري تعاني منه الجهات ، ينضاف الى ذلك ضعف التنضيم القانوني للوضيفة العمومية الجهوية        و الذي تزامن مع ضعف موازي في التاطير الكمي للادارات الجهوية ، حيث ان الاكراهات المرتبطة بالعنصر البشري للجهة هي مرتبطة بالاساس بالعامل الكمي و النوعي للموارد البشرية الجهوية ، ان بعض مسؤولين على المستوى الجهوي لم يستوعبو الاهداف المرجوة من اقرار نظام اللامركزية ، مما يجعل تسيير الجهة ضحية لعقليات المنتخبين و اسلوبهم المتجاوز في التعامل مع القضايا اليومية للجهة ، و تعد الانشقاقات داخل المجلس الجهوي عائقا خطيرا يحول دون انشاء المشاريع التنموية ، اذ ان تضارب المصالح الشخصية و تعارض التيارات السياسية يؤثران على عدم تلاحم المجلس وعلى عملية تدبير شؤونه ، بل ان ضعف الحس الجهوي لدى المنتخبين يشكل عائقا حقيقيا امام انجاز المهام          و المشاريع التي من المفترض ان يتم انجازها من لدن العناصر البشرية للجهة [3] .
و اذا كانت الموارد البشرية للجهة تنقسم الى صنفين هما الموظفين و المنتخبين الجهويين [4].
 فبالنسبة للموظفين الجهويين1 خاصة المقتضيات المنظمة لمؤسسة الكاتب العام و المكلفين بمهام الدراسات ، يلاحظ عدم مساهمته في تدبير الشان العام الجهوي خاصة فيما يتعلق بتنشيط و تنسيق اعمال الادارة الجهوية [5].
هذا و من حيث المعطى الكمي فلا زال يسجل خصاص كبير في الموارد البشرية للجهة من الموظفين    الجهويين ، بالاضافة الى ضعف التاطير القانوني للوظيفة الجهوية و محدودية التاطير الاداري للموظفين الجهويين .
كما ان المنتخبين الجهويين و بحكم تصنيفهم ضمن الموارد البشرية التي تتوفر عليها الجهة ، فبدورهم يعانون من ضعف التاطير السياسي و محدودية التكوين العلمي و المعرفي و سيطرة عقلية الاقليم على العمل الجهوي ، الشيئ الذي ينعكس على الاداء العام للجهة  ويجعل نتائج الممارسة الجهوية جد محدودة في غياب إلمام و معرفة ببعض المجالات الأساسية و الحيوية،  كمجال التعمير و اعداد التراب           و الفلاحة و التنمية القروية و التدبير المالي و المحاسبي ، مما يؤثر على اداء التدبير الجهوي .
و في السياق ذاته فانه من بين الاكراهات التي تؤثر عليه بنية الموارد البشرية للجهة ، هي تدخل عامل العمالة او الاقليم مركز الجهة في تسيير الامكانات البشرية للجهة ، حيث يجب استشارة رئيس الجهة لسلطة الوصاية على مقرر المكلفين بمهمة و بالدراسات و ضرورة تاشيرة سلطة الوصاية على مقرر تعيين الكاتب العام للجهة من لدن رئيس المجلس الجهوي ، كما يعاب على التاطير الاداري للجهات مسالة غياب نظام اساسي خاص بالوظيفة العمومية الجهوية يعمل على تحفيز الموظف الجهوي ، حيث ان نجاح التجربة الجهوية يتوقف على ضرورة توفير الاطر الادارية و الفنية المؤهلة ، حتى يكون بمقدورها تحمل المسؤوليات على الوجه الاكمل لتحقيق اهدافها التنموية التي اصطدمت بمحدودية الامكانات البشرية للجهة على مستوى ضعف التكوين المعرفي للموظفين الجهويين و ضعف التاطير السياسي للنخب الجهوية [6].
ومن هذا المنطلق يلاحظ ان غالبية الموضفين المحليين تتكون من اعوان للتنفيذ ، و ان هناك ندرة للكفاءات التقنية  اضافة الى غياب مخططات للتكوين تتوخى تقوية القدرات سواء بالنسبة للاداريين او للمنتخبين [7].

الفقرة الثانية : قلة الموارد المالية
تعتبر الموارد المالية حجر الزاوية في كل التنظيمات اللامركزية المحلية و الجهوية ، فعدم امتلاك الجهات  للامكانات المالية لتغطية نفقاتها و تمويل مشاريعها الجهوية لاشك سيحد من استقلالها المالي المعترف به بموجب الدستور، على الرغم من اهمية الاختصاصات الممنوحة و قيمة اللامركزية المحلية.
فالتمويل الذاتي يشكل احد العناصر الاساسية التي تمكن الجهة من القيام بنشاطها و الاضطلاع بادوارها التنموية عبر تمويل مشاريعها الاقتصادية و الاجتماعية .
 و بالرغم من ان المشرع قد خص ميزانية الجهة بموارد جبائية و اخرى غير جبائية ، الا ان استقراء نظام تمويل الجهة يوحي بان هذه الوسائل هي غير كافية لجعل الجهة اداة فعالة في تحقيق التنمية  المحلية ، و دونما اللجوء الى المساعدات و الاقتراضات فالمنح و تحويلات الدولة للجهة تبقى خاضعة لرغبة المانحين التي اصبحت تتعامل بصرامة كبيرة بسبب الضائقة المالية البنيوية التي تواجهها .
كما ان الاعتماد على عائدات هذا المصدر من شانه ان يمس باستقلالية القرار الجهوي ، الامر الذي ينعكس سلبا على تفعيل و ترشيد السياسة المالية الجهوية التي تعتبر اداة اساسية لتحقيق التنمية الجهوية[8] .
اما بالنسبة للموارد الجبائية فسلطة المجالس الجهوية تبقى محدودة و محصورة داخل حدود ما يضعه القانون ، فلا يحق للجهة بان تقوم بخلق الضرائب و انما يقتصر دورها في اقامة اسعار هذه الضرائب داخل اطار القانون [9]، هذا و ان استفادة الجهات من الضرائب المحولة من طرف الدولة تجعلها خاضعة و تابعة لميزانية هذه الاخيرة مما يؤثر على الاستقلال المالي للجهات ، كما ان الضرائب المحلية التي تستفيد منها ميزانية الجهة هي اغلبها عبارة عن نسب مضافة الى ضرائب محلية موجودة مما يؤدي الى ارتباط ميزانية الجهة بالوضعية المالية العامة .
هذا و يمكن القول بان الامكانيات المالية التي تحقق بها الجهة حاليا مازالت ضعيفة على المستوى الموارد الذاتية و كلها تقريبا بمثابة نسب مضافة الى ضرائب محلية موجودة .
و يلاحظ ان كل الوسائل المالية ضعيفة بطبيعتها كونها مضافة الى ضرائب موجودة تستفيد منها الجماعات الترابية الاخرى ، فبالنسبة لمداخيل الاملاك يلاحظ أن الجهة لم تحدد املاكها الخاصة بينها وبين باقي الجماعات الترابية (الحضرية و القروية) و في غياب للنص القانوني الذي يؤطر ذلك [10].
و بهدا فقد تم الوقوف على عدة ممارسات تنم عن سوء استخدام الجهات لمواردها المالية ، حيث ترصد الموارد بالاساس لتغطية نفقات التسيير و تصرف الحصة المخصصة للاستثمار لفائدة مشاريع لا تستجيب في غالبيتها لانتظارات المواطنين ، و تسجل تراكمات لفوائض الخزينة نتيجة عدم صرف العديد من نفقات الاستثمار المبرمجة [11]
 و علاوة على ذلك فان محدودية الاستقلالية المالية للجهات تتجلى أيضا في انعدام سلطة جبائية حقيقية   و بالتالي في ضعف الموارد المالية المتوفرة مقارنة مع حاجيات التسيير خصوصا حاجيات الاستتمار المرتبط بالتجهيزات و الخدمات الاساسية . 
و ما يمكن تسجيله بخصوص هذه النقطة ان الوسائل المالية للجهة تبقى محدودة مقارنة بحجم المشاريع المزمع تحقيقها على المستوى الجهات [12].
و موازاة مع ذلك يتضح ان امكانية التمويل التي يوفرها الصندوق الوطني للتنمية الجهوية و طريقة تدبيره لم تمكنه من القيام بدور مؤثر في تحقيق انجازات تنموية ملموسة بكل المناطق .
 فبهذه الاكراهات المالية لا يمكن للجهة ان ترقى  الى مستوى المساهمة الفعالة في التنمية الاقتصادية   و الاجتماعية، و بدون تمتيعها باستقلال مالي حقيقي لا يمكن الحديث عن تطور اللامركزية بالمغرب [13].



[1]   تقرير الخمسينية ، مرجع سابق ، الصفحة 12 .
[2]   حميد ابولاس ، التجربة الجهوية بالمغرب و امكانية الاصلاح على ضوء مشروع الحكم الذاتي ، المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية ، عدد 87-88 ، يوليوز اكتوبر 2009 ، الصفحة 83 .
[3]   نزهة الوزاري ، مرجع سابق ، الصفحة 37 .
[4]   و ذلك ستنادا الى قانون الجهة ، وزير الداخلية ، رقم 50م/ م بتاريخ 7 ابريل 1998 ، اشارت اليه نزهة الوزاري ، مرجع سابق ، الصفحة 37 .
[5]   عادل زروق ، الجهوية بالمغرب بين حدود التجربة الراهنة و آفاق الوضع المتقدم ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ، جامعة عبد المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، طنجة 2009-2010 ، الصفحة 68 .
[6]   نزهة الوزاري ، مرجع سابق ، الصفحة 38 .
[7]   الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ، مارس 2010 ، مرجع سابق ، الصفحة 10 .
[8]   نزهة الوزاري ، نفس المرجع السابق ، الصفحة 36 .
[9]   حيث لا يمكن لميزانية الجهة ان تتضمن اي اجراءات مسطرية ، كاحداث ضريبة او تغيير مقتضيات تهم الضرائب الموجودة و تبقى مجرد وثيقة تتضمن العمليات الحسابية المتعلقة بالمداخيل و النفقات .
[10]   نزهة الوزاري ، مرجع سابق ، الصفحة 36 .
[11]   الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ، مارس 2010 ، مرجع سابق ، الصفحة 10 .
[12]   حميد ابولاس ، مرجع سابق ، الصفحة 83 .
[13]   عبد المولى المسعيد ، مرجع سابق ، الصفحة 57 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق