تعتبر الموارد
البشرية الى جانب الموارد المالية من العناصر الاستراتيجية في عمل الهيئات ،
فالمشكل المادي كما هو الحال بالنسبة للتاطير البشري من ابرز الحدود و المعيقات
التنموية الجهوية .
ثم إن ضعف الموارد
المالية ليس عاملا وحيدا في عرقلة التنمية الجهوية ، بل ان ضعف العنصر البشري و
التاطير الاداري للموارد البشرية للجهة ، يعد من بين اهم الاكراهات التي تحد من
التنمية الجهوية .
الفقرة الأولى :
ضعف التأطير البشري
يمكن تسجيل اشكال
من العجز تتجلى في تفضيل هيمنة النضرة القطاعية الضيقة ،و الكفاءة غير المتساوية
،و عدم استقرار موضفي الوزارات و المسؤولين الادارين , عدم الاعتبار الممنهج
للاستحقاق والتواجد المفارق لوزارات متدخمة ، الى جانب اخرى محدودة الصلاحية و
غياب البين وزارية الفواصل البيروقراطية ، وتقلب الهيكلات الادارية و تنازع
اختصاصاتها.
و هذا فضلا عن انتشار ضواهر من قبيل التعالي
المفرط لاشخاص ذاتيين على الهياكل و المجموعات و الانفعالية في التسيير، و ضعف
الاستشارة و الحوار و اعمال مبدا التفاوض لفض التوترات و النزاعات [1]
.
إن ما يمكن
استنتاجه من خلال القراءة التحليلية التي
قمنا بها للفصول المتضمنة في القانون
96-47 و المتعلقة بالوسائل البشرية او بالمرسوم رقم
2.00.1043 الصادر في 21 جمادى الاولى 1421 ( 22 اغسطس ) بتحديد شروط التعيين او
اجرة الكاتب العام و المكلفين بالدراسات و المكلفين بمهمة بالمجلس، فهذه النصوص غير كافية لتضمن فعالية العنصر
البشري على هذا المستوى ، خصوصا اذا اعتبرنا ان تفعيل التنمية و استيعاب ادوارها
يتطلب توضيف العنصر البشري المؤهل للقيام بالمهمة الموكولة اليه في اطار من الحماس و الفعالية و المردودية
تماشيا مع رهانات الممارسة الجماعية [2].
فاذا كان القانون رقم 47.96 المنضم
للجهات اسس لهيئة خاصة من الموضفين الجهويين وضعت تحت السلطة التسلسلية لرئيس
المجلس الجهوي و الذي اقر له القانون صلاحية التسيير الفعلي للمصالح الجهوية و كذا
التعيين للمناصب و الوضائف ، فان ذلك لم يمكن الجهة من الموارد البشرية اللازمة و
القادرة على تحمل القيام بالاعمال التي يتطلبها العمل الجهوي ، بل هناك خصاص فعلي
للعنصر البشري تعاني منه الجهات ، ينضاف الى ذلك ضعف التنضيم القانوني للوضيفة
العمومية الجهوية و الذي تزامن مع
ضعف موازي في التاطير الكمي للادارات الجهوية ، حيث ان الاكراهات المرتبطة بالعنصر
البشري للجهة هي مرتبطة بالاساس بالعامل الكمي و النوعي للموارد البشرية الجهوية ،
ان بعض مسؤولين على المستوى الجهوي لم يستوعبو الاهداف المرجوة من اقرار نظام
اللامركزية ، مما يجعل تسيير الجهة ضحية لعقليات المنتخبين و اسلوبهم المتجاوز في
التعامل مع القضايا اليومية للجهة ، و تعد الانشقاقات داخل المجلس الجهوي عائقا
خطيرا يحول دون انشاء المشاريع التنموية ، اذ ان تضارب المصالح الشخصية و تعارض
التيارات السياسية يؤثران على عدم تلاحم المجلس وعلى عملية تدبير شؤونه ، بل ان
ضعف الحس الجهوي لدى المنتخبين يشكل عائقا حقيقيا امام انجاز المهام و المشاريع التي من المفترض ان يتم
انجازها من لدن العناصر البشرية للجهة [3]
.
و اذا كانت
الموارد البشرية للجهة تنقسم الى صنفين هما الموظفين و المنتخبين الجهويين [4].
فبالنسبة للموظفين الجهويين1 خاصة
المقتضيات المنظمة لمؤسسة الكاتب العام و المكلفين بمهام الدراسات ، يلاحظ عدم
مساهمته في تدبير الشان العام الجهوي خاصة فيما يتعلق بتنشيط و تنسيق اعمال
الادارة الجهوية [5].
هذا و من حيث
المعطى الكمي فلا زال يسجل خصاص كبير في الموارد البشرية للجهة من الموظفين الجهويين ، بالاضافة الى ضعف التاطير القانوني
للوظيفة الجهوية و محدودية التاطير الاداري للموظفين الجهويين .
كما ان المنتخبين
الجهويين و بحكم تصنيفهم ضمن الموارد البشرية التي تتوفر عليها الجهة ، فبدورهم
يعانون من ضعف التاطير السياسي و محدودية التكوين العلمي و المعرفي و سيطرة عقلية
الاقليم على العمل الجهوي ، الشيئ الذي ينعكس على الاداء العام للجهة ويجعل نتائج الممارسة الجهوية جد محدودة في
غياب إلمام و معرفة ببعض المجالات الأساسية و الحيوية، كمجال التعمير و اعداد التراب و الفلاحة و التنمية القروية و التدبير
المالي و المحاسبي ، مما يؤثر على اداء التدبير الجهوي .
و في السياق ذاته
فانه من بين الاكراهات التي تؤثر عليه بنية الموارد البشرية للجهة ، هي تدخل عامل
العمالة او الاقليم مركز الجهة في تسيير الامكانات البشرية للجهة ، حيث يجب
استشارة رئيس الجهة لسلطة الوصاية على مقرر المكلفين بمهمة و بالدراسات و ضرورة
تاشيرة سلطة الوصاية على مقرر تعيين الكاتب العام للجهة من لدن رئيس المجلس الجهوي
، كما يعاب على التاطير الاداري للجهات مسالة غياب نظام اساسي خاص بالوظيفة العمومية
الجهوية يعمل على تحفيز الموظف الجهوي ، حيث ان نجاح التجربة الجهوية يتوقف على
ضرورة توفير الاطر الادارية و الفنية المؤهلة ، حتى يكون بمقدورها تحمل المسؤوليات
على الوجه الاكمل لتحقيق اهدافها التنموية التي اصطدمت بمحدودية الامكانات البشرية
للجهة على مستوى ضعف التكوين المعرفي للموظفين الجهويين و ضعف التاطير السياسي
للنخب الجهوية [6].
ومن هذا المنطلق
يلاحظ ان غالبية الموضفين المحليين تتكون من اعوان للتنفيذ ، و ان هناك ندرة
للكفاءات التقنية اضافة الى غياب مخططات
للتكوين تتوخى تقوية القدرات سواء بالنسبة للاداريين او للمنتخبين [7].
الفقرة الثانية :
قلة الموارد المالية
تعتبر الموارد
المالية حجر الزاوية في كل التنظيمات اللامركزية المحلية و الجهوية ، فعدم امتلاك
الجهات للامكانات المالية لتغطية نفقاتها
و تمويل مشاريعها الجهوية لاشك سيحد من استقلالها المالي المعترف به بموجب
الدستور، على الرغم من اهمية الاختصاصات الممنوحة و قيمة اللامركزية المحلية.
فالتمويل الذاتي
يشكل احد العناصر الاساسية التي تمكن الجهة من القيام بنشاطها و الاضطلاع بادوارها
التنموية عبر تمويل مشاريعها الاقتصادية و الاجتماعية .
و بالرغم من ان المشرع قد خص ميزانية الجهة
بموارد جبائية و اخرى غير جبائية ، الا ان استقراء نظام تمويل الجهة يوحي بان هذه
الوسائل هي غير كافية لجعل الجهة اداة فعالة في تحقيق التنمية المحلية ، و دونما اللجوء الى المساعدات و
الاقتراضات فالمنح و تحويلات الدولة للجهة تبقى خاضعة لرغبة المانحين التي اصبحت
تتعامل بصرامة كبيرة بسبب الضائقة المالية البنيوية التي تواجهها .
كما ان الاعتماد
على عائدات هذا المصدر من شانه ان يمس باستقلالية القرار الجهوي ، الامر الذي
ينعكس سلبا على تفعيل و ترشيد السياسة المالية الجهوية التي تعتبر اداة اساسية لتحقيق
التنمية الجهوية[8] .
اما بالنسبة
للموارد الجبائية فسلطة المجالس الجهوية تبقى محدودة و محصورة داخل حدود ما يضعه
القانون ، فلا يحق للجهة بان تقوم بخلق الضرائب و انما يقتصر دورها في اقامة اسعار
هذه الضرائب داخل اطار القانون [9]،
هذا و ان استفادة الجهات من الضرائب المحولة من طرف الدولة تجعلها خاضعة و تابعة
لميزانية هذه الاخيرة مما يؤثر على الاستقلال المالي للجهات ، كما ان الضرائب
المحلية التي تستفيد منها ميزانية الجهة هي اغلبها عبارة عن نسب مضافة الى ضرائب
محلية موجودة مما يؤدي الى ارتباط ميزانية الجهة بالوضعية المالية العامة .
هذا و يمكن القول
بان الامكانيات المالية التي تحقق بها الجهة حاليا مازالت ضعيفة على المستوى
الموارد الذاتية و كلها تقريبا بمثابة نسب مضافة الى ضرائب محلية موجودة .
و يلاحظ ان كل
الوسائل المالية ضعيفة بطبيعتها كونها مضافة الى ضرائب موجودة تستفيد منها
الجماعات الترابية الاخرى ، فبالنسبة لمداخيل الاملاك يلاحظ أن الجهة لم تحدد
املاكها الخاصة بينها وبين باقي الجماعات الترابية (الحضرية و القروية) و في غياب
للنص القانوني الذي يؤطر ذلك [10].
و بهدا فقد تم
الوقوف على عدة ممارسات تنم عن سوء استخدام الجهات لمواردها المالية ، حيث ترصد
الموارد بالاساس لتغطية نفقات التسيير و تصرف الحصة المخصصة للاستثمار لفائدة
مشاريع لا تستجيب في غالبيتها لانتظارات المواطنين ، و تسجل تراكمات لفوائض
الخزينة نتيجة عدم صرف العديد من نفقات الاستثمار المبرمجة [11]
.
و علاوة على ذلك فان محدودية الاستقلالية
المالية للجهات تتجلى أيضا في انعدام سلطة جبائية حقيقية و بالتالي في ضعف الموارد المالية المتوفرة
مقارنة مع حاجيات التسيير خصوصا حاجيات الاستتمار المرتبط بالتجهيزات و الخدمات
الاساسية .
و ما يمكن تسجيله
بخصوص هذه النقطة ان الوسائل المالية للجهة تبقى محدودة مقارنة بحجم المشاريع
المزمع تحقيقها على المستوى الجهات [12].
و موازاة مع ذلك
يتضح ان امكانية التمويل التي يوفرها الصندوق الوطني للتنمية الجهوية و طريقة
تدبيره لم تمكنه من القيام بدور مؤثر في تحقيق انجازات تنموية ملموسة بكل المناطق .
فبهذه الاكراهات المالية لا يمكن للجهة ان
ترقى الى مستوى المساهمة الفعالة في
التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و بدون
تمتيعها باستقلال مالي حقيقي لا يمكن الحديث عن تطور اللامركزية بالمغرب [13].
[2] حميد ابولاس ، التجربة الجهوية بالمغرب و امكانية
الاصلاح على ضوء مشروع الحكم الذاتي ، المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية
، عدد 87-88 ، يوليوز اكتوبر 2009 ، الصفحة 83 .
[4] و ذلك ستنادا الى قانون الجهة ، وزير الداخلية ، رقم
50م/ م بتاريخ 7 ابريل 1998 ، اشارت اليه نزهة الوزاري ، مرجع سابق ، الصفحة 37 .
[5] عادل زروق ، الجهوية بالمغرب بين حدود التجربة الراهنة و
آفاق الوضع المتقدم ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ، جامعة عبد
المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، طنجة
2009-2010 ، الصفحة 68 .
[9] حيث لا يمكن لميزانية الجهة ان تتضمن اي اجراءات مسطرية
، كاحداث ضريبة او تغيير مقتضيات تهم الضرائب الموجودة و تبقى مجرد وثيقة تتضمن
العمليات الحسابية المتعلقة بالمداخيل و النفقات .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق